ابن كثير

309

تفسير القرآن العظيم ( تفسير ابن كثير ) ( بيروت )

يا جبريل ؟ فيقول جبريل : امضه « 1 » ، حتى قدم به مكة ، وهي إذ ذاك عضاه وسلم وسمر « 2 » ، وبها أناس يقال لهم العماليق خارج مكة وما حولها ، والبيت يومئذ ربوة حمراء مدرة « 3 » ، فقال إبراهيم لجبريل : أههنا أمرت أن أضعهما ؟ قال : نعم ، فعمد بهما إلى موضع الحجر فأنزلهما فيه ، وأمر هاجر أم إسماعيل أن تتخذ فيه عريشا ، فقال رَبَّنا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ [ إبراهيم : 37 ] إلى قوله : لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ . وقال عبد الرزاق : أخبرنا هشام بن حسان ، أخبرني حميد ، عن مجاهد ، قال : خلق اللّه موضع هذا البيت قبل أن يخلق شيئا بألفي سنة ، وأركانه في الأرض السابعة . وكذا قال ليث بن أبي سليم عن مجاهد : القواعد في الأرض السابعة . وقال ابن أبي حاتم : حدثنا أبي ، أخبرنا عمرو بن رافع أخبرنا عبد الوهاب بن معاوية عن عبد المؤمن بن خالد ، عن علياء بن أحمر : إن ذا القرنين قدم مكة ، فوجد إبراهيم وإسماعيل يبنيان قواعد البيت من خمسة أجبل . فقال : ما لكما ولأرضي ؟ فقال : نحن عبدان مأموران ، أمرنا ببناء هذه الكعبة . قال : فهاتا البينة على ما تدعيان . فقامت خمسة أكبش فقلن : نحن نشهد أن إبراهيم وإسماعيل عبدان مأموران أمرا ببناء هذه الكعبة . فقال : قد رضيت وسلمت ، ثم مضى ، وذكر الأزرقي في تاريخ مكة أن ذا القرنين طاف مع إبراهيم عليه السلام بالبيت ، وهذا يدل على تقدم زمانه ، واللّه أعلم . وقال البخاري « 4 » رحمه اللّه : قوله تعالى : وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْراهِيمُ الْقَواعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْماعِيلُ الآية ، القواعد : أساسه ، واحدها قاعدة ، والقواعد من النساء واحدتها قاعد . حدثنا إسماعيل : حدثني مالك عن ابن شهاب ، عن سالم بن عبد اللّه أن عبد اللّه بن محمد بن أبي بكر أخبر عبد اللّه بن عمر عن عائشة زوج النبي صلّى اللّه عليه وسلم : أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم قال : « ألم تري أن قومك حين بنوا البيت اقتصروا على قواعد إبراهيم ؟ » « 5 » فقلت : يا رسول اللّه ، ألا تردها على قواعد إبراهيم ؟ قال « لولا حدثان قومك بالكفر » فقال عبد اللّه بن عمر : لئن كانت عائشة سمعت هذا من رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم ما أرى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم ترك استلام الركنين اللذين يليان الحجر ، إلا أن البيت لم يتمّم على قواعد إبراهيم عليه السلام . وقد رواه في الحج عن القعنبي ، وفي أحاديث الأنبياء عن عبد اللّه بن يوسف ومسلم ، عن يحيى بن يحيى ، ومن حديث ابن وهب والنسائي من حديث عبد الرحمن بن القاسم كلهم عن مالك به . ورواه مسلم أيضا من حديث نافع قال : سمعت عبد اللّه بن أبي بكر بن أبي قحافة ، يحدث

--> ( 1 ) امضه : بمعنى امضي ، والهاء زائدة . ( 2 ) العضاه والسلم والسمر : أنواع من الشجر . ( 3 ) أي من طين لزج متماسك . ( 4 ) صحيح البخاري ( تفسير سورة البقرة باب 7 ) ( 5 ) عبارة البخاري : « أن قومك بنوا الكعبة واقتصروا . . . » .